ابراهيم بن عمر البقاعي
315
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
سبب عن هذا من قوله : فَاسْتَوى * فاستقام واعتدل بغاية ما يكون من قوته على أكمل حالاته في الصورة التي فطر عليها وَهُوَ أي والحال أن جبرائيل عليه السّلام ، وجوزوا أن يكون الضمير المنفصل للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أي استوى جبرائيل عليهما السّلام معه بِالْأُفُقِ الْأَعْلى * أي الناحية التي هي النهاية في العلو والفضل من السماوات مناسبة لحالة هذا الاستواء ، وذلك حين رآه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم جالسا على كرسي بين السماء والأرض قد سد الأفق . [ سورة النجم ( 53 ) : الآيات 8 إلى 10 ] ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى ( 8 ) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ( 9 ) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ( 10 ) ولما كان الدنو من الحضرة الإلهية - التي هي مهيئة لتلقي الوحي - من العلو والعظمة بحيث لا يوصف ، أشار إلى ذلك بأداة التراخي فقال : ثُمَّ أي بعد ذلك الاستواء العظيم دَنا أي جبرائيل عليه السّلام من الجناب الأقدس دنو زيادة في كرامة لا دنو مسافة ، وكل قرب يكون منه سبحانه فهو مع أنه منزه عن المسافة يكون على وجهين : قرب إلى كل موجود من نفسه ، وقرب ولاية حتى يكون سمع الموجود وبصره بمعنى أنه لا يسمع ولا يبصر إلا ما يرضاه - أشار إليه ابن برجان ، فأخذ الوحي الذي أذن له في أخذه في ذلك الوقت فَتَدَلَّى عقب ذلك من اللّه رسولا إلى صاحبكم أي أنزل إليه نزولا هو فيه كالمتدلي إليه بحبل فوصل إليه ولم ينفصل عن محله من الأفق الأعلى لما له من القوة والاستحكام ، قال البيضاوي : فإن التدلي هو استرسال مع تعلق كتدلي الثمرة فَكانَ في القرب من صاحبكم في رأي من يراه منكم قابَ أي على مسافة قدر قَوْسَيْنِ من قسيكم ، قال الرازي في اللوامع : أي بحيث الوتر في القوس مرتين ، وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما : القوس الذراع بلغة أزدشنوءة ، وقال ابن برجان : قاب القوسين : ما بين السيين ، وقيل : ما بين القبضة والوتر أَوْ أَدْنى * بمعنى أن الناظر منكم لو رآه لتردد وقال ذلك لشدة ما يرى له من القرب منه صلّى اللّه عليه وسلّم ، روى مسلم في الإيمان من صحيحه عن الشيباني قال : « سألت زر بن حبيش عن قوله تعالى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ فقال : أخبرني ابن مسعود رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم رأى جبرائيل عليه السّلام له ستمائة جناح » « 1 » فَأَوْحى أي ألقى سرا من كلام اللّه بسبب هذا القرب ، وعقبه بقوله : إِلى عَبْدِهِ أي عبد اللّه ، وإضماره من غير تقدم ذكره صريحا لما هو معلوم مما تقدم في آخر الشورى أن كلام اللّه يكون وحيا بواسطة رسول يوحي
--> ( 1 ) أخرجه البخاري 4856 ومسلم 174 عن ابن مسعود موقوفا عليه ، وله حكم الرفع ، فمثله لا يقال بالرأي .